الشنقيطي
59
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ( 6 ) [ 6 ] . بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم ، وأنه شديد العقاب ؛ فجمع بين الوعد والوعيد ليعظم رجاء الناس في فضله ، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد ؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع ودفع الضر ، فاجتماع الخوف والطمع أدعى للطاعة وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 147 ) [ الأنعام : 147 ] ، وقوله : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 165 ) [ الأنعام : 165 ] ، وقوله جلا وعلا : * نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ( 50 ) [ الحجر : 49 - 50 ] ، وقوله : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ [ غافر : 3 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ [ 7 ] . أي إنما عليك البلاغ والإنذار ، أما هداهم وتوفيقهم فهو بيد اللّه تعالى ، كما أن حسابهم عليه جل وعلا . وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله : * لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] ، وقوله : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 ) [ الرعد : 40 ] ونحو ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ( 7 ) [ 7 ] . أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن المراد بالقوم الأمة ، والمراد بالهادي الرسول ، كما يدل له قوله تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ [ يونس : 47 ] الآية . وقوله : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) [ فاطر : 24 ] ، وقوله : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [ النحل : 36 ] الآية . وقد أوضحنا أقوال العلماء وأدلتها في هذه الآية الكريمة في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب ، عن آيات الكتاب ] . قوله تعالى : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى [ 8 ] الآية . لفظة ما في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف ، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى وعلى هذا فالمعنى : يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة ، وخداج ، وحسن ، وقبح ، وطول وقصر ، وسعادة وشقاوة إلى غير ذلك من الأحوال . وقد دلت على هذا المعنى آيات من كتاب اللّه ، كقوله : وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ [ لقمان :